المبشر بن فاتك
74
مختار الحكم ومحاسن الكلم
فتخيّرت من أقاويل هؤلاء الحكماء ما رأيته نافعا في عاجل أو آجل . واعتمدت في ذلك على انتخاب كلام الإلهيين منهم ، الموحدين من جملتهم . إذ كانت أقاويلهم شافية ومقاصدهم صحيحة . وأتبعتهم باللاحقين بهم في الحكمة المشهورين بالأفعال الحسنة . ولم يمنعني اختلاف مذاهبهم وتباين طرقهم وتقادم عهدهم من أن أستمع أقاويلهم وأتبع أحسنها ، كما قال تعالى « 1 » : « فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ [ 2 ب ] فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ، وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ « 2 » » - وأترك ما سوى ذلك ممّا خالف حكم الشرع أو العقل « 3 » ؛ فأكون كالنحلة التي تتناول من كل زهرة أطيبها وتترك أخبثها ، اتباعا لقول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « خذ ما تعرف ودع ما تنكر » . وقال بعض الحكماء : خذوا اللؤلؤ من صدف البحر والذهب من التراب والحكمة ممّن قالها . وقال آخر : خير الكنوز العمل الصالح ، وإدراك الأدب أن يقبس من حيث كان . وقيل لبعضهم : ما بالك لا تأنف من التعلّم من كل أحد ؟ قال : ذلك لعامى بأن العلم نافع من حيث أصيب . وقال « 4 » آخر : لا تأخذ من كل إنسان جميع ما عنده ، لكن محمود ما يظهر لك منه فقط ، فإن التفاحة ليس ينتفع برائحتها فقط بل بأكلها والنظر إليها ، والزهر برائحته والنظر إليه ، وورد الدّفلى « 5 » بالنظر ، والنخلة بثمرها . فخذ من الإنسان أجمل ما عنده إلا أن يكون كل ما عنده جميلا فتأخذه كله . وقال بعض الحكماء : إنه ليس من أحد يخلو من عيب ولا حسنة ؛ فلا يمنعك عيب رجل من الاستعانة به فيما لا نقص به فيه . قال الشاعر في هذا المعنى :
--> ( 1 ) ح : اللّه تعالى . ( 2 ) سورة « الزمر » آية : 19 ( 3 ) ص : والعقل . ( 4 ) سيرد هذا الكلام فيما بعد في الفصل الخاص ب « آداب صاب » على أنه من كلام صاب . ( 5 ) الدفلى ويسمى أيضا ورد الجمار ، وباللاتينية Nerium Oleander وبالفرنسية : Laurier Rose , Oleandre وبالإسبانية Adelfa ( وهي مأخوذة عن العربية ) . راجع ما كتبه Arnald Steiger في كتابه Contribucion a la fonetica del hispano . irabr , p . II . 7